عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
311
اللباب في علوم الكتاب
سأصرفهم عن قبول آياتي والتّصديق بها « 1 » ، عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم الحقّ كقوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] . واحتجّ أهل السّنّة بهذه الآية على أنّه تعالى قد يمنع الإيمان . وقالت المعتزلة : لا يمكن حمل الآية على ذلك لوجوه : الأوّل : قال الجبّائيّ : لا يجوز أن يكون المراد منه أنّه تعالى يصرفهم عن الإيمان ؛ لأن قوله : « سأصرف » يتناول المستقبل ، وقد بيّن تعالى أنّهم كفروا وكذّبوا من قبل هذا الصرف ، لأنّه وصفهم بكونهم : يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وبأنّهم : وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا فدلّت الآية على أنّ الكفر قد حصل لهم في الزّمان الماضي ؛ فدلّ على أن المراد من هذا الصرف ليس الكفر باللّه . الثاني : أن قوله « سأصرف عن آياتي » مذكور على وجه العقوبة على التّكبّر والكفر ، فلو كان المراد من هذا الصّرف هو كفرهم ، لكان معناه أنّه تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر ، والعقوبة على فعل الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز ؛ فثبت أنّ المراد من هذا الصّرف ليس هو الكفر . الثالث : أنّه تعالى لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه ، فكيف يمكن أن يقول مع ذلك : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [ المدثر : 49 ] فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ الانشقاق : 20 ] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [ الإسراء : 94 ] فثبت أنّ حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن ؛ فوجب حملها على وجوه أخرى : الأول : قال الكلبي وأبو مسلم الأصفهاني « 2 » : إنّ هذا الكلام تمام لما وعد اللّه موسى به من إهلاك أعدائه ومعنى صرفهم : أهلكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ، ولا يمنع المؤمنين من الإيمان بها ، وهو تشبيه بقوله : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرّسالة . التّأويل الثّاني : قال الجبّائيّ : سأصرف المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العزّة والكرامة المعدّين للأنبياء ، والمؤمنين . وإنّما صرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم ، وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم ، وتكبرهم على اللّه . التّأويل الثالث : أنّ من الآيات ما لا يمكن الانتفاع بها إلّا بعد سبق الإيمان ، فإذا كفروا فقد صيّروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات ، فحينئذ يصرفهم اللّه عنها . التأويل الرابع : أنّ اللّه عز وجل إذا علم من حال بعضهم أنّه إذا شاهد تلك الآيات
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 2 / 200 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 15 / 4 .